أنقرة تتهم الإعلام السعودي بالتجنّي

أنقرة تتهم الإعلام السعودي بالتجنّي

تشهد تركيا واحدة من أكثر مراحلها التاريخية حرجا، في ظل حالة من التوتر الداخلي وتدهور العلاقات الخارجية وفشل الرهانات الإقليمية. ويبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستشعر هذا الخطر، خاصة بعد قراره إعادة أجواء انتخابات بلدية إسطنبول، وما ترتّب عنه من تصعيد ضدّه، ويتجلى ذلك من خلال العودة إلى حديث المؤامرات من جهة الخطاب الموجّه إلى الداخل وتلطيف اللهجة من جهة الخطاب الموجه إلى الخارج. وبدا واضحا من ردود فعل الأتراك أن المواجهة غيّرت من معطياتها وصار الإعلام التركي يشتكي ويتّهم السعودية بأنها تقود حملة على تركيا، وفي نفس الوقت يدعوها إلى ضرورة تجاوز هذه المرحلة. يتجسّد هذا الخطاب المزدوج في أحدث أمثلة في تحليل نشرته وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية. يزعم التحليل أنّ الإعلام السعودي يشنّ “حملة ضدّ تركيا هذه الأيام لا مثيل لها حتى في الإعلام الغربي”، داعيا، في نفس الوقت، إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات التركية السعودية، على الرغم من أنّ تقرير الأناضول احتوى في ذات الوقت مغالطات كبرى تجاه المملكة وهجوما على سياستها. وأرادت الوكالة، التي تأتمر بتعليمات من حزب العدالة والتنمية الحاكم، توجيه رسالة للإعلام السعودي، مفادها كما ذكرت، أنّ “تركيا ليست عدوا لكم”. لكن، زعمت في المقابل، أنّ الأخبار والتحليلات المنشورة في وسائل الإعلام التركية حول السعودية وقيادتها إنما “يغلب عليها الانتقاد البنّاء”، ولا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة. وكاتب التحليل هو خليل جليك، وهو من بين الأسماء التي ظهرت بشكل واضح خلال الحملة الإعلامية التركية التي شنّتها تركيا ضد السعودية، خلال أزمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي. يكرر جليك في هذا التحليل ما سبق وقاله عن “حملة سعودية منظمة للنيل من تركيا وتاريخها”. وسبق أن قال في أحد تحليلاته إن “تسريع وسائل الإعلام السعودية من وتيرة معاداتها لتركيا في الآونة الأخيرة، بات معلوما لدى الكثيرين”، وأن الأمر بلغ حدّ وصفها الإمبراطورية العثمانية بـ”دولة داعش الأولى”. ويربط جليك غالبا بين ما يقوله عنه إنه حملة تستهدف تركيا، ومواقف الأخيرة “من الإخوان المسلمين وقطر وقضية مقتل خاشقجي”، وهو ما يعكس اعترافا واضحا بأن تدخلات تركيا في قضايا المنطقة، هي السبب المباشر للحملة المضادة، وهو ما يعني أن وسائل الإعلام المحسوبة على السعودية تتحرك لمواجهة أجندة أردوغان وخططه لإرباك وضع دول المنطقة، من خلال دعم جماعات الإسلام السياسي وجعلها منصة لضرب استقرار تلك الدول. وفي سياق المتغيّرات الإقليمية والدولية، والتوجهات الأميركية لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية، والحرب على الإرهاب، يبدو الموقف السعودي أكثر قوة وأقوى حجة وإقناعا، الأمر الذي يعكس حالة التذبذب في الخطاب التركي، فتارة يصعّد ثم فجأة يهدئ ويتذكر أهمية العلاقات الثنائية. نظرية المؤامرة يتبنّى جليك نظرية المؤامرة وخطاب المظلومية، حيث يربط بين الموقف من تركيا ومقاطعة الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة للدوحة، مشيرا في حديث لم يعد يجد من يقتنع به في الداخل أو في الخارج إلى أن الأخبار المعادية لتركيا في الإعلام السعودي، اكتسبت زخما أكبر عقب أزمة مقاطعة قطر، وقضية جمال خاشقجي. لكنه، يعود ويذكر بضرورة تجاوز أنقرة والرياض هذه المرحلة بشكل لا يضرّ بعلاقات البلدين. ثم يصعّد مرة أخرى، وذلك من من خلال قوله إنه بإمكان الإعلام السعودي، الحديث أيضا عن “صفقة القرن” التي يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعلان تفاصيلها بعد شهر رمضان، أو تناول القضية الفلسطينية، أو إهداء واشنطن مرتفعات الجولان التي هي في الأصل سورية، إلى إسرائيل، أو الحديث عن كيفية إنهاء الحرب اليمنية، أو بذل الجهود حول كيفية إيجاد حل للأزمة مع قطر، وإنهاء نزاع الإخوة في بلدان الخليج العربي، وهي قضايا لم يغفلها الإعلام السعودي وتتصدر اهتمامات القيادة السعودية، إلا أن التوجهات التي يتم معالجة بها هذه المواضيع لا تناسب السياسة التركية، لذلك هي مسقطة في الإعلام التركي ولا يأخذ إلا بما يناسبه. وأشارت الأناضول إلى أنّه، وكما أنّ هناك بعض القضايا التي تجمع بين مصالح تركيا والسعودية، مثل مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق واليمن، ورحيل نظام بشار الأسد في سوريا، فإن هناك بعض الممارسات السعودية التي أزعجت أنقرة إلى حد كبير. وأبرز تلك القضايا دعم السعودية لإعادة إعمار المناطق المحررة من تنظيم داعش شمالي سوريا، والتي يسيطر عليها الأكراد، الذين تحاربهم تركيا. ولا يبدو خطاب السفارة التركية في الرياض أفضل حالا من تحليل أنجليك، حيث بدأت السفارة بيانها بالهجوم زاعمة أن هناك حملة تستهدف السياحة التركية. وقالت إنه “شوهد خلال الأيام الأخيرة في وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي وغيرها، تداول أخبار غير صحيحة، ومزيفة عن اختطاف وفقدان مواطني دول الخليج، وعلى رأسهم مواطنو السعودية، وتعرضهم للاعتداء في تركيا، وسرقة جوازات سفرهم، والترويج لفكرة أن تركيا أصبحت دولة غير آمنة للسياح”، ثم هدأت السفارة من لهجتها مشيرة إلى أنها “جاهزة لتقديم كامل المساعدة والدعم لأي طلب يرد من الإخوة السعوديين، عن تعرض أحدهم أو أحد أفراد عائلاتهم أو أقاربهم لأي ممارسة من هذا النوع”. ويعكس خطاب السفارة بين سطوره إلى أي مدى أثر تراجع السياح السعوديين والخليجيين عموما في الاقتصاد التركي، وهو تراجع سجل أعلى مستوياته منذ أكثر من سنتين، ولا علاقة للأمر بما نقلته السفارة عن مواقع التواصل الاجتماعي. متغيرات دولية يظهر تحليل الأناضول أن الأتراك لم يكونوا يتوقعون أن يكون تأثير المتغيّرات الإقليمية والدولية الراهنة بهذه القوة عليهم. وينعكس ذلك من خلال الحديث عن أنّ التطورات الإقليمية والدولية، تؤثر بشكل مباشر على تركيا والسعودية، وتجبرهما على التعاون والتحرك معا، وبالتالي يمكن القول بضرورة تطوير العلاقات بينهما والعمل معا على إيجاد حلول للأزمات الإقليمية والعالمية، بشكل يرسّخ مكانة البلدين. وأضاف جليك بلهجة أكثر هدوء مقارنة ببداية التحليل أنّ هناك العديد من القضايا الإقليمية والدولية التي تحتّم على البلدين التعاون والتحرك معا، أبرزها التطورات الأخيرة في الجزائر وليبيا والسودان، والعقوبات على إيران، والقضية الفلسطينية، لاسيما أن تاريخ العلاقات الثنائية يمتد إلى ما يقارب 100 عام. وقالت الأناضول إنّه، ورغم جميع الخلافات، وبعض السياسات المتباينة بين تركيا والسعودية، إلا أنها لم تصل مرحلة القطيعة التامة. ولم تكن أنقرة تنوي يوما تصعيد التوتر والخلاف مع الرياض. وفي الختام وجّهت أنقرة رسالة ضمنية إلى الرياض لفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين، “كما تؤكد أنقرة دوما استعدادها للوساطة بين الأشقاء الخليجيين لإنهاء أزمة قطر”. وخلصت الوكالة التركية إلى أنّ تعاون أنقرة والرياض في العديد من القضايا التي تهم المنطقة، أمر حتمي لا بدّ منه، فيما تتمحور سياسات الأطراف القادمة من خارج المنطقة، حول مصالحها دون مراعاة استقرار ورفاه المنطقة وسكانها. وفي ظلّ الصراع الذي تشهده المنطقة، يمكن لتركيا والسعودية، وفقا للأناضول، ترسيخ تعاونهما في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتجارية والاجتماعية، وهي خطوة يسعى نظام أردوغان المأزوم إلى أن يحتمي بها. وهنا لا يستبعد خبراء أن نسمع مجددا في الإعلام التركي الحديث عن الهلال السنّي، لكن الرئيس التركي يعلم أن السعودية الجديدة لم تعد تعنيها مثل هذه الخطابات، وتعلّمت، بفضل الابتزاز التركي في قضية خاشقجي، كيف ترد على الحملات المضادة وتقنع دون شعبوية ومبالغات.