النزوح.. المشروع الشمالي الجديد

النزوح.. المشروع الشمالي الجديد


كتب/قائد منصور الحميدي


الصراعات والحروب توّلد ضمن مآسيها موجات متعاقبة من النزوح وبالذات سكان المناطق التي تدور فيها المعارك لفترات زمنية طويلة، تشكل تهديداً لحياة الناس وتدميراً لمصادر رزقهم وغالباً ما يأتي النزوح كعملية قسرية لا مناص منها للحفاظ على حياة المواطنين في مناطق الصراع، قد يكون النزوح داخلي مؤقت وبسيط كأن يلجأ النازح الى اسرة او قريب له في منطقة قريبة وفي مثل هذه الحالات من النزوح الداخلي سرعان مايعود النازح الى مسكنه وقريته بمجرد انتهاء الصراع.
الشكل الاخر من النزوح هو النزوح الخارجي الذي يلجأ فيه سكان ومناطق الصراع الى النزوح خارج حدود الدولة، لاسيما في الصراعات التي تشهد حملات تصفية وابادة عرقية او طائفية او مذهبية او قبلية ويصبح بقائهم في بلدهم خطراً حقيقياً على ما تبقى منهم او نجى من هذه المذابح وهذه الحالة من النزوح تحكمها القوانين والتشريعات الدولية والاممية التي تتولى حماية ونقل ورعاية موجة اللاجئين او النازحين من الموت، وتعيد تنظيمهم بالاتفاق مع الدول المستضيفة ضمن مخيمات ومعسكرات لجوء او نزوح خاصة محددة جغرافيتها وضمن التشريعات الخاصة باللاجئين وبما لا يتناقض مع التشريعات السائدة في هذا البلد وامنها ومواردها الاقتصادية ومستوى الخدمات الحضارية فيها.. واهم الواجبات الملزمة للاجئين هو احترام امن واستقرار وسيادة البلد المستضيف لانهم في المحصلة النهائية مجرد نزلاء وضيوف عابرين او مقيمين بشكل مؤقت حتى ضمانة عودتهم الى اوطانهم الاصلية، وخلال فترة بقائهم في هذا البلد او ذاك سيظلون في نظر القوانين والتشريعات مجرد اجانب مجردين من الحقوق والواجبات التي يمتلكها ابناء البلد.

*النزوح في اليمن*
شهدت بعض المدن والمناطق اليمنية منذ العام 2015م صراعات مسلحة تسببت في نزوح الالآف من ابناء المناطق التي احتدمت فيها الحرب الى مناطق آمنة بعضها مجاورة كموجات النزوح التي شهدتها مديريات المعلا والتواهي وكريتر او تلك التي شهدناها في المناطق الحدودية مثل الضالع والصبيحة وبيحان.
حين ترك المواطنين مدنهم وقراهم وهجروا منازلهم هرباً من جحيم الحرب الى مناطق ومدن وقرى مجاورة ، سرعان ما عادوا اليها بمجرد انتهاء المعارك في قراهم، وقد شهدت العاصمة الجنوبية عدن واخواتها عمليات نزوح الى محافظات مجاورة الى تعز واب وحضرموت ولم يستمر ذلك طويلاً، ورغم قله النازحين فيه الى انه لم يستمر طويلاً ولم تتعدى اطول حالة نزوح الثلاثة اشهر.


*النزوح من المناطق الشمالية*

تطرقنا الى النزوح التي شهدتها المحافظات الجنوبية كنموذج وهو الامر الذي يؤكد ان نزوح الجنوبيين داخل اطار المحافظة او خارجها مثلت ضرورة امنية ومعيشية ملحة، زالت بزوال اسبابها ،فعاد المواطنين الى مواقعهم السكنية في الوقت الذي لازالت فيه الحرب مشتعلة في الجوار ،عاد ابناء المعلا والتواهي وكريتر الى منازلهم في الوقت الذي لازالت المعارك على اشدها في العلم والمدينة الخضراء وفي الصحراء الممتدة بين محافظتي لحج وعدن ومحافظتي عدن وابين، ولم يستحدثوا مساكن او عشوائيات ولم يبنوا المدن والاحياء ليستوطنوها بل سلموا المنشئات الخاصة والعامة التي آوتهم لاصحابها.
منذ اندلاع حرب 2015م بقيت الكثير من المحافظات والمدن الشمالية امنه، لم تشهد اي مواجهات او صراعات مسلحة، لكننا فوجأنا بمئات الالاف من النازحين من هذه المحافظات الى العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية الاخرى، ولاتوجد مبررات كافية ومقنعة لمثل هكذا نزوح ونلاحظ ان فرد او فردين من الاسرة او جزءً منها ينزح الى الجنوب والجزء الاخر يبقى في منطقته وقريته، كبار مسؤولي الحكومة الشرعية وقادتها العسكريين ورؤوساء الاحزاب السياسية والبرلمان واعضاء مجلس الشورى نزحوا كافراد الى الجنوب او الى خارج اليمن فيما بقيت اسرهم وابنائهم في مدنهم وقراهم يزاولون نشاطهم وحياتهم المعتادة دون اي مضايقات حقيقية سوى بعض الاستثناءات التي لا تكاد تذكر.. والغريب ان هؤلاء النازحين دون اسرهم استوطنوا بعض المحافظات التي لم يدخلوها من قبل واستولوا على اراضيها وثرواتها واستأثروا لأنفسهم بثرواتها وخدماتها ونشاطها الاقتصادي مستخدمين في ذلك ادوات الدولة او ماتسمى بالسلطة الشرعية ومؤسساتها وامكانياتها المختلفة لتحقيق مآربهم الخاصة، ولكي يغطون على جرائمهم عملوا دون كلل على تشجيع الاخرين على النزوح من مدنهم وقراهم والغالبية العظمى من هؤلاء اصحاب النزوح الجماعي هم من المهمشين الذين اقيمت لهم مخيمات ومعسكرات ايواء وتم استعطاف المنضمات والمؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية لتوفير مقومات الاستقرار.

خلف ستار هذه الجماعات المهمشة المحصورة في مخيمات وتحت شعار النزوح، تم الدفع بمئات الالاف من الشباب العسكريين والجماعات الارهابية نحو المحافظات الجنوبية وتم تدوينهم في السجلات الخاصة بالمعاشات والمعونات المقدمة من الدولة والمنضمات والمؤسسات الدولية.. هؤلاء اليوم يشكلون الطابور والجيش الخامس الذي تم اعداده وتحضيره لاعاده احتلال الجنوب، مع ازدياد اعدادهم انتشرت الجريمة الجنائية والجريمة السياسية والامنية والارهابية المنظمة والجرائم الاقتصادية التي تستهدف اقتصاد العاصمة عدن وخدماتها وعملتها ومستوى المعيشة فيها وصولاً الى اجتياح الجبال المحيطة باحياء العاصمة عدن وفي الامتداد الصحراوي لها لبناء العشوائيات وتهيئتها لاستقبال المزيد من النازحين والى ثكنات ومخازن عسكرية، منها تنطلق سرايا التخريب والتدمير ومنها يخرج اصحاب البسطات والمجانين والمتسولين والعيون الاستخباراتية المتحركة التي تجوب كافة الاحياء والشوارع دون استثناء وهو الامر الذي يبرر ازدياد معدل الجريمة وصعوبة كشفها او تتبعها او منعها والحد منها لسبب بسيط ان اعداد المجرمين اكثر بكثير من رجال الامن وخبراتهم ومؤهلاتهم الامنية والاستخباراتية ومعرفتهم بالواقع اكثر بكثير من خبرات رجال الامن.
ما يحدث في العاصمة عدن وفي بقيه المدن الجنوبية المهمة يطرح اكثر من تساؤل حول هذا النزوح..
- هل هو وسيلة؟ واذا كان كذلك.. وسيلة لتحقيق ماذا؟ هل هو وسيلة للاستيطان؟ ام هو وسيلة من وسائل الحرب الشمالية المستعرة ضد الجنوب؟ ام هو وسيلة عسكرية لقادم اكبر؟!

- هل هذا النزوح بحد ذاته غاية؟.. اذاً ماهي هذه الغاية؟
عندما تسأل احد النازحين يجيبك بانه يبحث عن الامن ولقمة العيش.. عن اي امن يبحث ومنطقته اكثر امناً من المحافظات الجنوبية؟ عن اي مصدر للعيش يبحث والبطالة عند شباب الجنوب قد تجاوزت ال90‰؟ عن اي لقمة للعيش يبحث عنها في المحافظات الجنوبية وكل المؤسسات الاقتصادية والانتاجية واجهزة الدولة ومرافقها والزراعة ومصادرها موجودة في المحافظات الشمالية؟ عن اي لقمة عيش يبحث عنها في العاصمة عدن والمناطق الجنوبية وهي تستورد كل منتجاتها الزراعية والصناعية من الشمال؟

- لماذا لا يلجى النازحين في بحثهم عن لقمة العيش وعن الامن والاستقرار في المحافظات الشمالية البعيدة عن الحرب اذا كانت هناك حرب؟

- ماذا عن النازحين القاطنين في الفنادق والفلل والعمارات.. من يدفع لهم الايجارات؟ من يمول البناء العشوائي؟ ونحن نعرف ان النازح الحقيقي لا يملك قوت يومه.

*الصحوة*

اي متابع اليوم لوسائل التواصل الاجتماعي يشعر بظهور صحوة على مستوى الفرد وداخل المجتمع، وهذه الصحوة تتمثل في التوجه نحو البحث عن الاسباب والجذور الحقيقية للمشاكل والازمات التي تعيشها المحافظات الجنوبية واستهداف الامن والخدمات والاستقرار والنظام الاجتماعي والتخطيط المدني والعمراني واشاعة الفوضى واحاطة المدن والاحياء الرئيسية بسياج من العشوائيات.

هذه الصحوة صاحبها بروز وعي بحقيقة هذه الاشكالات والقوة المحركة والممولة لها.. هذا الوعي يتبلور يوماً عن يوم الى مواقف واجراءات عملية تنفذها سلطات المحافظات باسناد غير مسبوق من قبل المواطنين الذين اصبحوا اليوم يطالبون ومن على كل المنابر المتاحة بالتصدي لهذه الضواهر السلبية والاختلالات، وابرز تحول نوعي في الوعي الاجتماعي من هذه القضايا يتجلى اليوم في الموقف ممن يطلقون عليهم النازحين والعشوائيات التي يستحدثوها وموجات النزوح التي لا تتوقف، فالمواقف العاطفية التي كانت بالامس تتصدى لاجراءات السلطة المحلية اضحت اليوم اكثر تشدداً في المطالبة والقيام بهذه الاجراءات:

*مقترحات*

- في البداية اود ان اؤوكد بانني لست ضد اي مواطن اجبرته الحرب على النزوح ويستحيل عليه العوده الى منزله الذي لا زال حتى اللحظة ضمن دائرة الحرب والصراع.. كما يجب ان نميز بين النزوح لاسباب انسانية وبين الدوافع والمحركات السياسية للنزوح الموجه المدفوع الثمن الذي يستخدم كوظيفة او مهنة تدفع بهؤلاء النازحين مقابل مهام يؤدوها.. كما يتوجب علينا التفريق والفرز المنطقي والعقلاني بين النزوح لاسباب انسانية والنزوح الموجه المدفوع الثمن الذي يستخدم وسيلة واداة للحرب ضد الجنوب بشقيها الساخنة والباردة لتحقيق ذلك نقترح مايلي:-

- ان تقوم السلطات الادارية والامنية في كل مديرية بعمل حصر شامل للنازحين وحالات النزوح وتسجيلهم وتوثيقهم في اطار كل مديرية على حده.

- تحديد مخيمات ايواء خاصة بالنازحين كما هو معمول به في مأرب والجوف والحديدة وفي مختلف البلدان وفق التشريعات الدولية الخاصة بذلك.


- حصر المنظمات الدولية الانسانية والخيرية التي تقدم خدماتها للنازحين والاشراف على عملها بحيث تكون في القنوات الصحيحة.

- تسهيل مهمة عودة النازحين الى مناطقهم التي انتهت فيها الحرب ومساعدتهم على العودة والاستقرار.

- وضع اطار عام لمجال نشاط وعمل النازحين.. اذ لا يمكن ان يظل الجنوب وحواضرة واحة مفتوحة ومرتع لمزاولة النشاطات والاعمال التي يختلط فيها الخير بالشر وتزدهر فيها تجارة المخدرات وانتشار الجرائم بانواعها.


- يجب ان يكون لكل نازح مقر اقامة وعنوان ثابت ومجال يتحرك فيه الى حين عودته.

- مئات الالاف من ابناء المحافظات الشمالية منتشرين داخل المدن والاحياء الجنوبية بإسم نازحين وباحثين عن لقمة العيش لا يوجد مبرر انساني او اقتصادي لبقائهم ولا يوجد خطر على حياتهم ونحن نعلم ان باستطاعتهم الذهاب والعودة الى مناطقهم او اهلهم في اي وقت دون صعوبة او معوقات.. كما لا يوجد في الوقت الراهن وفي ظروف الحرب اي نشاط او حراك اقتصادي او فرص عمل في الجنوب، انهم باختصار لا يعملون ولكن مستوى حياتهم المعيشية افضل بكثير من ابن المنطقة العامل والموظف.. هؤلاء كانو وسيظلون مصدر قلق وشبهة واشتباه يجب ترحيلهم الى قراهم ومدنهم الى حين تستقر اوضاع البلد بشكل عام.


- يجب ايقاف موجات النزوح المتواصلة حتى اللحظة والمتنامية اعدادها بشكل يومي، لا توجد في عدن والمحافظات الجنوبية الفقيرة والمدمرة ما يغري الاخرين على الرحيل والنزوح اليها، ولكن توجد دوافع واسباب ومحركات وقنوات تمويل لما يمكن ان نسميه غزوة جديدة للجنوب.